حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

602

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

مسكر فهو خمر لغة أو شرعا فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة ، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد . وعن عائشة قالت : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البتع - وهو شراب يتخذ من العسل - فقال صلى اللّه عليه وسلم : « كل شراب مسكر فهو حرام » « 1 » وعن أم سلمة قالت : نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر . قال : الخطابي : والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء . وأيضا الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر . وكذا في قول عمر ومعاذ « الخمر مذهبة للعقل » . فإنه يوجب أن كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في علة التحريم . وأيضا قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [ المائدة : 90 ] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار . فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر ، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر . حجة أبي حنيفة قوله تعالى تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [ النحل : 67 ] منّ اللّه علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن ، والنبيذ سكر ورزق حسن ، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح ، وأيضا ما روي في الصحيحين عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استسقى فقال رجل : يا رسول اللّه ، ألا أسقيك نبيذا ؟ قال : بلى . فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب . واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئا أو مطبوخا لقوله صلى اللّه عليه وسلم « ما أسكر كثيره فقليله حرام » « 2 » وعن عائشة قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام » « 3 » قال الخطابي : الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا . وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب . وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال : اشربه ما كان طريا . قال : إني أطبخه وفي نفسي منه شيء . قال : أكنت شاربه قبل أن تطبخه ؟ قال : لا ، قال : إن النار لا تحل شيئا وقد حرم . وقال

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأشربة باب 4 . بلفظ « إذا لم يسكر فلا بأس به » . ( 2 ) رواه أبو داود في كتاب الأشربة باب 5 . الترمذي في كتاب الأشربة باب 3 . النسائي في كتاب الأشربة باب 25 . ابن ماجة في كتاب الأشربة باب 10 . الدارمي في كتاب الأشربة باب 8 . أحمد في مسنده ( 2 / 91 ، 167 ) . ( 3 ) رواه أبو داود في كتاب الأشربة باب 5 . الترمذي في كتاب الأشربة باب 3 . أحمد في مسنده ( 6 / 71 ، 72 ، 131 ) .